من كان يصدق أن امرأة جمعتني بها الصدفة، وشاركتني القهوة والأحاديث، تحمل في ذاكرتها جزءًا من طفولتي دون أن نعلم؟
بعد سنوات طويلة، جمعتني الحياة بعهود فهد. لم نتعرف إلى ملامح بعضنا، ولم يخطر ببال إحدانا أننا التقينا يومًا. وعلى مدى ثلاثة أشهر، نشأت بيننا صداقة عفوية وصادقة، عرفنا فيها بعضنا على طبيعتنا، بلا تكلّف ولا أقنعة. تقاربنا وأحببنا بعضنا كما نحن، دون أن نعلم أن بيننا حكاية أقدم من هذا اللقاء.
حتى جاء حديث عابر غيّر كل شيء!
اسم حارة قديمة، وبيت بيع منذ سنوات، وأسماء جيران أيقظت ذاكرة ظننا أنها نامت. توالت الأسئلة، وتقاطعت التفاصيل، وبدأت الدهشة تكبر مع كل إجابة، حتى اكتشفنا ما لم يكن في الحسبان!
عهود هي صديقة طفولتي، ابنة جيراننا الذين باعوا منزلهم ورحلوا عن الحارة حين كنت صغيرة!
صرخنا من الدهشة، وضحكنا، وكادت الدموع تسبق كلماتنا. اختلط الفرح بالحنين، والدهشة بحزن خفي على سنوات مضت، وطفولة لم يبقَ منها إلا الذكريات.
لكن الأجمل من المصادفة أننا لم نتقارب لأننا عرفنا بعضنا في الماضي؛ بل أحببنا بعضنا في الحاضر، ثم اكتشفنا أن طفولتنا جمعتنا قبل ستة وثلاثين عامًا.
ولعل الأجمل من اللقاء توقيته؛ فقد جاءتني عهود في مرحلة كنت أحتاج فيها إلى صديقة تشبهني، من بيئتي وحارتي، تفهم بداياتي وتحمل ذاكرة المكان نفسه، دون أن أضطر إلى شرح كل ما صنعني.
لم يُعد لي القدر عهود فحسب، بل أعاد إليّ شيئًا من نفسي، من طفولتي، ومن حارة ظننت أنني تركتها خلفي.
بعض البيوت تُباع، وبعض الحارات نغادرها، لكن الذكريات تعرف طريق العودة… أحيانًا على هيئة صديقة وفنجان قهوة.
وهكذا اخترنا بعضنا مرتين؛ مرة حين كنا طفلتين، ومرة حين أصبحنا امرأتين، وبين المرتين عمر كامل من الحكايات.




