كم يؤلمني أن كثيرًا من الهدايا تُمنح للبعيد والغريب، بينما يُنسى القريب، وكأن وجوده في حياتنا أمرٌ مضمون لا يحتاج إلى عناية أو تذكير. ولسنا نقصد بالقريب هنا بالضرورة الأخ أو الأخت فقط، بل قد تكون بنت أخ، أو بنت أخت، أو خالة، أو عمة… أولئك الذين يحيطون بنا بصمت، ويحبوننا دون ضجيج، ونحسب محبتهم أمرًا مُسلّمًا به.
نُجيد المجاملة للأصدقاء، ونحرص على حضور مناسباتهم، ونتقن التعبير عن اهتمامنا بهم، بينما نغفل – دون قصد – عن الأقرب إلى قلوبنا. ننسى أن الرحم أولى بالوفاء، وأجدر بالاهتمام، وأن المعروف حين يُزرع في أرضه الصحيحة، يثمر أثرًا لا يذبل.
ولا نُدرك هذه الحقيقة إلا بعد أن يمضي بنا العمر، وتتبدّل الوجوه، وتختلف العلاقات، ويبقى الأهل وحدهم ثابتين، كالجذور في أرض الروح.
قبل سنوات طويلة، فاجأتني ابنة أختي بحقيقة لم أتوقعها. أخبرتني أنها لا تزال تحتفظ بهدية أهديتها لها قبل تسعة عشر عامًا. دهشت، بل صُدمت؛ فأنا التي نسيت، وهي التي حفظت.
أخرجت سلسلة من الذهب الصافي، مرّ عليها الزمن وتغيّر لونها قليلًا، لكنها كانت لا تزال تلمع في عينيها بقيمتها المعنوية لا بمعدنها. كانت تحتفظ بها كما يُحتفظ بذكرى حب لا تُستبدل ولا تُنسى.
عندها أدركت أن بعض الهدايا لا تشيخ حين تُمنح من القلب، وأن المعروف إذا وُضع في موضعه الصحيح، صار ذاكرة، وصار دعاءً، وصار أثرًا يمشي معنا حتى آخر العمر.
فاجعل معروفك لأهلك، واجعل هداياك لأقاربك،
فهم الأثر الذي يبقى… حين يتغيّر كل شيء.




