تخيّل أن تقضي أجمل سنوات عمرك مرتديًا الزي العسكري، تحمل على كتفيك نجومًا يراها الجميع، وفي قلبك حكايات لا يعرفها أحد. تعتاد نظرات الفخر والاحترام، ثم يأتي يوم تعلّق فيه زيك للمرة الأخيرة، وتغادر ميدان الخدمة، فتشعر أن شيئًا من ذلك البريق قد خفت في أعين البعض!
بالأمس كانت النجوم تضيء أكتافك، واليوم ما زلت الإنسان ذاته، تحمل التاريخ نفسه والتضحيات نفسها، وربما جراحًا لم تندمل. فهل كان إعجابنا بالنجوم أم بالإنسان الذي حملها؟
هؤلاء هم رجال ونساء وطننا الذين نقف لهم إجلالًا وفخرًا؛ ننام مطمئنين في بيوتنا، ونستيقظ على أمنٍ ننعم به، بينما يسهر رجال ونساء من قطاعاتنا العسكرية والأمنية على حماية الوطن وصون استقراره. يقفون سدًا منيعًا في مواقع الواجب، يحملون مسؤولية عظيمة، وتبقى خلف كل واحد منهم أسرة تنتظر عودته سالمًا.
وخلف كل رتبة حكاية لم تُروَ، وخلف كل زي عسكري سنوات من العطاء. هناك من غادر ميدان الخدمة، لكنه لم يغادر آثارها؛ يحمل في جسده إصابة غيّرت تفاصيل حياته، أو ندبة لا يمحوها الزمن، أو أثرًا يراه في مرآته كل صباح، فيتذكر حكاية لا يعرف الآخرون ثمنها. وربما حرمته تلك الإصابة من هواية أحبها، أو أثّرت في علاقاته وأحلامه، أو جعلت أبسط تفاصيل الحياة تحديًا يوميًا.
تلك الآثار ليست مجرد ندوب على الأجساد، بل أوسمة شرف لا تُعلّق على الصدور، وإنما يحملها أصحابها ما بقي من أعمارهم. أوسمة لا تُخلع بانتهاء الخدمة، ولا يغيب معها ثمن التضحية.
وفي وطننا، يحظى أبطال القطاع العسكري برعاية واهتمام وتقدير من قيادتنا الرشيدة، عرفانًا بعطائهم وتضحياتهم. ويبقى لنا، نحن أفراد المجتمع ومؤسساته، دور إنساني يكمّل هذا التقدير، ويمتد إلى ما بعد سنوات الخدمة.
فلماذا لا تتحول المزيد من حكاياتهم إلى أفلام وثائقية وأعمال درامية وكتب تحفظ بطولاتهم؟ ولماذا لا نمنح قصصهم مساحة أوسع في صفحات الصحف والبرامج والمجالس، لننقل تجاربهم للأجيال؟ ولماذا لا تبادر المزيد من منشآت القطاع الخاص إلى تقديم مزايا وتسهيلات مستمرة لهم، تعبيرًا عن امتنان لا ينتهي بانتهاء الخدمة؟
نحن لا نتحدث عن شفقة أو إحسان، بل عن ثقافة وفاء تليق بمن منحوا الوطن أعوامًا من أعمارهم، وربما تركوا في ميادين الواجب جزءًا من صحتهم وأحلامهم.
إن العسكري حين يتقاعد لا يصبح حكاية من الماضي، بل تاريخًا حيًا يستحق أن يُروى، وإنسانًا يستحق أن يبقى حاضرًا في وجدان مجتمعه.
وإلى كل فرد ومؤسسة ومنبر إعلامي: اجعلوا حكايات هؤلاء الأبطال حاضرة في الذاكرة، وامنحوهم من اهتمامكم وفرصكم ومبادراتكم ما يليق بعطائهم، واحفظوا بطولاتهم للأجيال القادمة.
فهؤلاء لم يمنحوا الوطن سنوات من أعمارهم فحسب، بل منحوه شيئًا من صحتهم وأحلامهم. وإن غادرت النجوم أكتافهم، فلا تسمحوا لها أن تغادر قلوبنا؛ فالأبطال لا يتقاعدون من ذاكرة الوطن، والوفاء لا ينبغي أن يُحال إلى التقاعد.
إهداء إلى كل من ارتدى الزي العسكري، وحمل في جسده أو ذاكرته حكاية تضحية تستحق أن تُروى.




