في بداية شهر رجب وجدت نفسي أمام اختبار لم أتوقعه , قط صغير لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر أصابه مرض مفاجئ أقعده وجعل العناية به مهمة شاقة، لا تخلو من التعب والنفور أحيانًا. لم أكن أعلم أن هذا الابتلاء الصغير سيأتي قبل استشهاد شقيقي رحمه الله بيومين فقط، وكأن الأقدار كانت تهيئ لي بابًا من أبواب الأجر.
اعتنيت به رغم صعوبة الأمر , أطعمُه وأنظفه وأتحمل رائحته المؤذية وأنا أضع الكمامة والقفازات. كنت أفعل ذلك يوميًا، لا بدافع الراحة، بل بدافع النية. كنت أقول في نفسي ربي اجعلها صدقة عن أخي ولعل الله يسخر لي من يخدمني بمحبة كما أخدم هذا المخلوق الضعيف.
ولم يكن الأمر مجرد خدمة، بل كنت أراه أحيانًا رفعًا لبلاء قد كُتب لي أو لأهل بيتي. فكم من أسرة ابتُليت بابنٍ معاق أو بمرضٍ دائم، فصبرت واحتسبت، وكم من أبناء يخدمون آباءهم وأمهاتهم وهم طريحو الفراش، يلازمونهم ليل نهار دون كلل.
كنت كلما قمت بخدمته، أقول في داخلي: “لعل الله صرف عني مصيبة أكبر، أو بلاء كان سيصيب صحتي أو أهلي، وجعل هذا القط سببًا للرحمة بدلًا من الألم.
وهنا كنت أستحضر قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام حين فداه الله بقوله تعالى: “وفديناه بذبحٍ عظيم” فأدركت أن الله قد يبدل البلاء بلطفٍ خفي، لا ندرك حكمته إلا بعد حين.
لم أنكر شعوري بالضجر أحيانًا، ولا تعبي، ولا حتى كرهي لهذه المهمة في بعض اللحظات. لكنني كنت أجاهد نفسي، وأذكّرها بأن الأجر لا يُقاس بسهولة العمل، بل بمقدار الصبر عليه. وكنت أستحضر قوله تعالى: “وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم”.
واليوم، وبعد أن أكمل أخي الشهيد ثلاثة أشهر على رحيله، فوجئت بموت هذا القط. رحل فجأة، وكأن بابًا من أبواب الأجر قد أُغلق. شعرت بحزن عميق، ليس فقط لفقده، بل لأنني شعرت أن عملًا صالحًا كان يلازمني قد انقطع.
راودني شعور يشبه ولو من بعيد انقطاع عمل الإنسان بعد موته..ذلك الفراغ الذي يتركه غياب فرصة كانت تمنحك معنى، وتمنحك أجرًا
لكنني عدت وتذكرت: أن أبواب الخير لا تُغلق، وأن الله إذا أخذ بابًا فتح أبوابًا أخرى، وأن الأجر لا يضيع، وأن النية الصادقة تبقى شاهدة، حتى وإن انتهى السبب.
لقد كان هذا القط رغم ضعفه هدية خفية وضعها الله في طريقي ليعلمني أن أعظم الأجور تأتي أحيانًا من أثقل الأعمال على النفس، وأن ما نكرهه قد يكون بابًا للخير لا يُعوّض و كلما كان العمل أصعب على النفس وأثقل على القلب، وأبعد عن رغباتنا، كان أقرب إلى الإخلاص، وأعظم في الأجر.



